السيد كمال الحيدري

99

شرح كتاب المنطق

الشرح تقدّم أنّ العمود هو مادّة الاستدلال الخطابي ، وتبيّن من خلال البحث أن هذه المادّة أعمّ من المشهورات الحقيقية والظاهرية والمقبولات والمسلّمات وكلّ ما يُؤدّي إلى الإقناع . أمّا القسم الثاني وهو الاستدراجات بحسب القائل ، فهي أن يظهر الخطيب بمظهر يؤثّر في إقناع الجمهور كلًا بحسبه ، أي : إذا كان المستمع من الجنود مثلًا فالذي يؤثّر فيه قائده . وعلى هذا فلو فرض أنّ شخصاً له من المعلومات أكثر من القائد العسكري ، ولكنّه ليس بعسكري ، فإنّه لا يستطيع إقناعهم ، وإنّما الذي يستطيع ذلك هو القائد ، وذلك لوجود مجموعة من الأمور متوفرة في القائد وليست متوفرة بذلك الشخص . . . وهكذا نجد كلام المرجع الفقيه مؤثّراً في الناس أكثر من كلام من لم يكن له هذا الزي واللباس ، وإن كان المطلب الذي يخاطبان به الناس واحداً ، لأنّ للقائل خصوصيات - كالملبس والكلام والناحية الروحية والنفسية - تؤثّر في الإقناع لم تتوفّر لدى شخص آخر وإن كان من حيث المعلومات أفضل من القائل . وهذا هو المراد من الاستدراجات بحسب القائل . ولهذا ينبغي للخطيب أن يعرف نفسية الجماهير وما يؤثّر في نفسياتهم وما يتنفّرون منه وما ينجذبون إليه ، حتّى يستطيع أن يتكلّم بما يجذبهم إليه فيقنعهم ، لا أن ينفّرهم منه فترفضه وبالتبع ترفض رأيه ( « 1 » ) .

--> ( 1 ) وهذا ما تمثلته الزهراء ( عليها السلام ) في خطبتها التي ألقتها في مسجد النبي ( صلّى الله عليه وآله ) بعد رحيل والدها ( صلّى الله عليه وآله ) فبعد أن ذكرت الله تعالى وأثنت عليه وعلى نبيه الخاتم ( صلّى الله عليه وآله ) ولما أرادت أن تدخل في الموضوع الذي خرجت لأجله أشارت إلى ما لها من قدر ومنزلة عند المخاطبين : . . . أيها الناس اعلموا أني فاطمة وأبي محمد ، أقول عوداً وبدءاً ولا أقول غلطاً ولا أفعل شططاً . . . . .